فن

فيلم “نيكسون”… حين تتحول السلطة إلى خوف دائم

25 كانون الثاني, 2026

بعد أكثر من ثلاثة عقود على صدوره، يستعيد فيلم “نيكسون” (1995) للمخرج أوليفر ستون راهنيته المقلقة، لا بوصفه استعادة لفضيحة ووترغيت، بل كتشريح نفسي عميق للسلطة عندما تتحول إلى منظومة خوف وارتياب. ففي زمن تتسع فيه المراقبة، وتتآكل الخصوصية، وتضعف الثقة بالمؤسسات، يبدو الفيلم أقرب إلى دراسة في الانهيار الداخلي للحكم حين يبدأ القائد برؤية الجميع كأعداء محتملين.

عند عرضه الأول، قوبل الفيلم بردود فعل نقدية متناقضة؛ إذ اتُّهم ستون بالتلاعب ببعض الوقائع التاريخية، في مقابل إشادة واسعة بطموحه الفني وعمقه النفسي، وبأداء أنتوني هوبكنز الذي قدّم صورة مقلقة للسلطة، تتجاوز حدود السيرة السياسية التقليدية.

ويُعد ريتشارد نيكسون من أكثر الرؤساء الأميركيين إثارة للجدل في القرن العشرين، ليس فقط بسبب نهاية رئاسته المدوية، بل بسبب شخصيته المركبة التي جمعت بين طموح جامح وشعور عميق بالاضطهاد وعدم الأمان. هذا التناقض، في ظل أجواء الحرب الباردة وتمركز السلطة التنفيذية، جعل منه مادة مثالية لسينما أوليفر ستون، التي لا تبحث عن أبطال بقدر ما تغوص في هشاشة السلطة ونقاط انكسارها النفسية.

عند مشاهدة الفيلم اليوم، يبدو وكأنه تأمل سينمائي في اللحظة التي يخلط فيها القائد بين مصيره الشخصي ومصير الدولة، فتتحول السياسة إلى معركة بقاء.

تفكك السرد واستقرار الاضطراب

يتخلى ستون عن السرد الزمني التقليدي، معتمداً بنية متقطعة مليئة بالاسترجاعات المفاجئة والرموز البصرية، ليعكس اضطراب الشخصية الرئيسية. ينتقل الفيلم بحرية بين الطفولة، والصعود السياسي، والرئاسة، ثم السقوط، في دائرة نفسية مغلقة يبدو نيكسون أسيراً لها، عاجزاً عن الهروب من ماضيه.

تسود العمل إضاءة قاتمة ومساحات داخلية خانقة، حيث تُعرض السلطة غالباً خلف الأبواب المغلقة، في مكاتب وممرات معتمة، ما يجعل البيت الأبيض أقرب إلى ملجأ محاصر. وحتى في لحظات الخطاب العلني، تعيد الكاميرا نيكسون سريعاً إلى عزلته، وكأن الخروج منها استثناء عابر.

يلعب المونتاج دوراً محورياً في كسر أي شعور بالانتصار؛ فمشاهد النجاح تتقاطع دائماً مع إشارات الانهيار، في إيحاء دائم بأن كل صعود يحمل بذور سقوطه.

أداء يلتقط روح الشخصية

لم يقدّم أنتوني هوبكنز تقليداً شكلياً لنيكسون، بل التقط جوهر التناقض داخله، جامعاً بين الغطرسة والهشاشة في آن واحد. وقد صرّح الممثل بأنه تعامل مع الشخصية كرجل لم يشعر يوماً بأنه محبوب، وهو ما ينعكس في الصمت المشدود، والانفجارات الغاضبة، وحالة الترقب الدائم للخيانة.

أما جوان ألين، في دور بات نيكسون، فتظهر كمرآة عاطفية تمتص غضبه وانكساره، لا كشريكة سياسية. في المقابل، يبدو هنري كيسنغر، الذي يؤديه بول سورفينو، بارداً ومتزناً، ما يزيد من إبراز تقلبات نيكسون النفسية.

موسيقى الحتمية وصمت السلطة

تأتي موسيقى جون ويليامز بنبرة جنائزية غير معتادة في الدراما السياسية، حيث لا تصعّد التوتر بقدر ما توحي بحتمية المصير. وتزداد قوة الفيلم باستخدام الصمت، خصوصاً في المشاهد التي يظهر فيها نيكسون وحيداً، حيث يصبح غياب الصوت جزءاً من التعبير عن وحدة السلطة وخوفها.

الحوار بدوره مقتضب وصدامي، يتجنب الشرح المباشر، ويعتمد على التكرار، الأعداء، المؤامرات، التسريبا، ليشكّل رؤية عالم محكومة بالارتياب.

السلطة كأزمة هوية

لا يصوّر ستون نيكسون كفاسد تقليدي، بل كشخص يعاني من أزمة هوية، يتماهى فيها مع الدولة، فيصبح أي نقد تهديداً وجودياً. وتتحول المراقبة في الفيلم إلى امتداد نفسي لخوفه، أكثر منها مجرد أداة سياسية.

ويرى الباحث السينمائي روبرت كولكر أن الفيلم يقدم “مأساة تضخيم الذات”، حيث لا يسقط نيكسون بفعل خصومه بقدر ما يسقط داخل الأسطورة التي صنعها لنفسه. فهو ليس وحشاً، بل رجلاً يتضخم شعوره بالعظمة بقدر ما يتضخم إحساسه بالهشاشة.

وقد دافع ستون عن انحرافه عن الدقة التاريخية مؤكداً أن السينما تبحث عن الحقيقة العاطفية لا التوثيق، قائلاً: “الوقائع تخبرنا بما حدث، أما الدراما فتخبرنا لماذا كان ذلك مهماً”.

من هذا المنطلق، لا يقدّم “نيكسون” بديلاً عن التاريخ، بل قراءة له من الداخل، داعياً المشاهد إلى التفكير في كيفية نشوء الكوارث السياسية، ليس داخل المؤسسات وحدها، بل داخل العقول التي يشكلها الخوف والطموح والارتياب.

شارك الخبر: