امتحان القضاء والدولة العميقة؟

صلاح سلام – اللواء
قضية شحنة المتفجرات التي ضُبطت عند حاجز ضهر البيدر ليست حادثة أمنية خطيرة وحسب، بل اختبار جديد لمدى قدرة الدولة اللبنانية على استعادة سلطتها، وتحويل قراراتها السيادية من نصوص سياسية إلى واقع تفرضه المؤسسات على الجميع، بلا استثناء أو تسويات خلف الكواليس.
خطورة القضية لا تكمن في حجم المواد المتفجرة المضبوطة فقط، ولا في الوجهة التي كانت تسلكها، بل في السؤال الأعمق الذي تطرحه: هل باتت الدولة قادرة على منع نقل السلاح والمتفجرات خارج سلطتها، ومحاسبة كل من يثبت تورطه، أياً تكن الجهة التي ينتمي إليها أو حجم نفوذها السياسي والأمني؟
لقد شكل نجاح الأجهزة الأمنية في ضبط الشحنة خطوة تستحق التقدير، لكنه لا يمثل نهاية الاختبار، بل بدايته. فالسيادة لا تُقاس فقط بقدرة الحاجز الأمني على كشف الشحنة، وإنما بقدرة المؤسسات على متابعة الخيوط، وكشف شبكة المسؤوليات، والوصول إلى الجهات التي تقف وراء العملية، وصولاً إلى المحاسبة القضائية الفعلية.
وهنا تبرز أهمية القضاء العسكري، الذي يجد نفسه أمام استحقاق يتجاوز حدود ملف جزائي عادي. فاستقلالية التحقيق، وعدم إخضاعه لأي ضغط سياسي أو أمني، يشكلان شرطاً أساسياً لاستعادة ثقة اللبنانيين بالدولة. وإذا كانت الدولة العميقة تعني شبكات النفوذ القادرة على تعطيل القرارات أو الالتفاف عليها، فإن الامتحان الحقيقي يكمن في منع هذه الشبكات من التأثير في مسار التحقيق، أياً تكن مصادرها أو أدواتها.
ليس المطلوب إدانة مسبقة، ولا تحويل القضاء إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية، بل ضمان تحقيق مهني وشفاف يحدد المسؤوليات استناداً إلى الأدلة، ويحمي حق الدفاع، ويضع الجميع أمام القانون. فالتساهل، إن حصل، لن يكون مجرد ثغرة قضائية، بل رسالة بأن امتلاك النفوذ يوفر حصانة من المساءلة.
لقد أعلنت السلطة السياسية تمسكها بملاحقة القضية حتى نهايتها. لكن صدقية هذا الالتزام ستُقاس بما ستكشفه التحقيقات، وبما إذا كانت ستصل إلى جميع المتورطين، لا إلى الناقلين وحدهم.
