أزمة معيشية وأمن هشّ: عوامل متداخلة خلف تصاعد السرقات

كتب مازن مجوز في نداء الوطن:
من حوادث متفرّقة قبل سنوات قليلة إلى مشهد يوميّ يرافق حياة المواطنين على الطرقات وفي الأحياء السّكنية.
هذا التحوّل الذي حققته ظاهرة “النشل والسّطو المسلّح”، يظهر بشكل مخيف و”سريع” على الطرقات وفي الأحياء، ما يهدّد سلامة المواطنين ويعكس واقعًا أمنيًّا مريرًا في ظلّ تدهور الأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة.
لم يعد الخوف محصورًا بساعات الليل، بل امتدّ إلى وضح النهار، حيث بات السلاح وسيلة ضغط سريعة لسلب الناس أرزاقهم وأمانهم. هذا الواقع يعكس انهيارًا أمنيًّا متداخلًا مع أزمة اقتصادية خانقة دفعت باليأس إلى الشارع. ومع تكرار الحوادث وتنوّع المناطق المستهدفة، يتزايد شعور اللبنانيين بأن لا مكان آمن بالكامل.
النشل اليوم ليس مجرّد جريمة سرقة، بل هو تهديد مباشر للحياة والسّلامة العامة. ففي صبيحة التاسع من الشهر الماضي، وبينما كان أيمن ش. (38 عامًا، يعمل في شركة خاصة) يحاول اجتياز الطريق في محلة طريق المطار القديم إذ بدرّاجة نارية تتوجّه إليه عكس السير وبسرعة، ليقوم سائقها بسحب “حقيبة كتف” بالقوّة ويفرّ هاربًا نحو منطقة بئر حسن. يروي أيمن ما حصل معه بحزن وأسف عميقين “هذا الاعتداء تعرّضت له خلال ثوانٍ معدودة” مضيفًا “داخل الحقيبة كان هناك معظم الأوراق الثبوتية ودفتر السواقة ودفتر السيارة بالإضافة إلى 650 دولارًا وذهب بقيمة 4700 دولار”.
ويتابع: “بعد الحادثة وبدل أن أتوجّه إلى مدينة بعلبك كي أقضي عطلة نهاية الأسبوع مع عائلتي، وجدت نفسي مضطرًا إلى الذهاب إلى مخفر الأوزاعي، لأتقدّم بدعوى ضد مجهول”. لافتًا إلى أنه “منذ اليوم الذي تعرّضت له للسرقة وأنا أقصد الدوائر الرسمية الخاصة كي أحصل على بدل عن ضائع، وأقدّر أن الأمر سيتطلّب بين 6 أشهر إلى 9 أشهر كي أحقق ذلك، هذا بالإضافة إلى الجهد والتكاليف الماديّة، وترك عملي أحيانًا كي أتابع مسار إنهاء معاملاتي المطلوبة لإنهاء هذه المشكلة التي لم تكن “لا عالبال ولا في الخاطر”.
في هذا السياق، يعلق الكاتب في الاقتصاد السياسي د. بيار الخوري بأن “ظاهرة النشل” على الطرقات تُعدّ انعكاسًا مكثفًا لتحوّلات اجتماعية واقتصادية عميقة تراكمت على مدى سنوات، ولم تنشأ بوصفها سلوكًا إجراميًا معزولًا أو طارئًا، بل كأحد أعراض اختلال بنيوي في منظومة المجتمع والدولة معًا.
ويعزو الخوري، وهو مرشد تربوي واجتماعي، أسباب هذه الظاهرة إلى عدّة مستويات: فعلى المستوى الاجتماعي، أسهم التفكّك الأسري المتزايد، الناتج عن الضغوط الاقتصادية والهجرة القسرية وانهيار الأدوار التقليدية داخل الأسرة، في إضعاف آليات الضبط الاجتماعي الأولى التي كانت تحدّ من انزلاق الأفراد، وخصوصًا الشباب، نحو العنف والجريمة.
تربويًا، ومع تراجع دور المدرسة والمؤسّسات الدينية والمدنية، تآكلت منظومة القيم الجامعة التي كانت تخلق إحساسًا بالانتماء والمسؤولية، لتحلّ مكانها ثقافة فرديّة قاسية تقوم على النجاة الذاتية بأي وسيلة.
وتشير الدراسات النفسية والاجتماعية إلى أن الفقر المدقع والضغوط الاقتصادية المستمرّة يمكن أن تدفع بعض الأفراد إلى إعادة تعريف الحدود الأخلاقية للسلوك المقبول. في هذه الظروف، تتحوّل الظاهرة أحيانًا من فعل مدان أخلاقيًا إلى وسيلة للبقاء أو لتأمين الحاجات اليومية، خاصة في غياب أي أفق اقتصادي واضح. وقد تجلّى هذا الواقع في سلسلة من الحوادث الموثقة في لبنان خلال السنوات الأخيرة. ففي 24 تشرين الثاني 2025، شهدت منطقة الرحاب محاولة تشليح مسلّحة لأحد المارّة بواسطة درّاجة نارية، ما أثار الرعب بين السكان. كما وثقت قوى الأمن الداخلي في 19 كانون الثاني 2026 توقيف شاب في طريق المطار بعد ارتكابه عدّة عمليات نشل وسرقة، وضبطت بحوزته مقتنيات مسروقة.
هنا يشرح الخوري: “في هذا المناخ، تنشأ العصابات الصغرى كتنظيمات غير رسميّة تقوم على روابط مصلحية أو مناطقية، مستفيدة من البطالة المستفحلة وغياب فرص العمل المستدامة. هذه العصابات لا تتشكّل بالضرورة وفق نماذج إجرامية كلاسيكية، بل غالبًا ما تبدأ كمجموعات شبابية تجمعها الحاجة والحماية المتبادلة، قبل أن تتطوّر تدريجيًا إلى وحدات أكثر تنظيمًا مع تراكم الخبرة وتكرار الإفلات من العقاب”.
وبرأيه، يُعدّ تعطّل تطبيق القانون عاملًا حاسمًا في هذا التحوّل، إذ يؤدّي ضعف الردع القانوني وبطء المحاسبة إلى خلق إحساس عام بأن المخاطرة منخفضة والعائد مرتفع، ما يشجّع على التمادي والتوسّع.
ربّما علينا أن نضيف عامل غياب التنسيق بين الأجهزة المعنيّة، وتراجع ثقة المواطنين بالمؤسّسات الأمنية والقضائية، الذي يخلق فراغًا سلطويًا، حيث يؤكد الخوري أن هذه العصابات تعرف جيّدًا كيف تستثمره لتكريس حضورها في الفضاء العام.
كما أن الخطر لا يقتصر على الممتلكات بل يصل في بعض الحالات إلى إصابات جسديّة أو تهديد مباشر للحياة، ما يفاقم الخوف لدى السائقين والمشاة على حدّ سواء.
في الختام، يظهر أن خطورة الظاهرة تكمن في تداخل هذه العوامل وتغذيتها المتبادلة، حيث يتفاعل الفقر مع البطالة، ويتقاطعان مع تفكّك الروابط الاجتماعية وتعطّل القانون، لتُنتج معًا بيئة خصبة لانتشار الجريمة اليومية. فضعف الأجهزة الأمنيّة لا يقتصر أثره على تراجع الضبط المباشر، بل يمتدّ إلى تعزيز الشعور الجمعي بانعدام الأمان، ما يدفع الأفراد إلى سلوكيات دفاعية وانعزالية تُضعف بدورها التضامن المجتمعي. وفي غياب سياسات اجتماعيّة واقتصاديّة فعّالة، تتحوّل المعالجة الأمنيّة وحدها إلى استجابة قاصرة، تعالج النتائج دون الأسباب.
إننا أمام ظاهرة مجتمعية تتطلّب مقاربة شاملة لنتائج أزمة بنيوية متعدّدة الأبعاد، ولا يمكن الحدّ منها إلّا عبر إعادة بناء شبكات الأمان الاجتماعي، وخلق فرص اقتصادية حقيقية، واستعادة هيبة القانون، إلى جانب ترميم الثقة بين الفرد والمجتمع والدولة، بما يعيد للأمن العام طابعه الوقائيّ لا القمعي فقط.
