دبي تقود مستقبل الإعلام العربي بعد ربع قرن من صناعة التأثير

كتب الباحث والكاتب طارق أبوزينب:
في مرحلة تتعرض فيها الحقيقة لضغوط متزايدة، تكتسب قمة الإعلام العربي 2026 في دبي أهمية تتجاوز كونها ملتقى مهنيًا سنويًا. فهي تنعقد وسط تحولات تكنولوجية تعيد تشكيل صناعة الإعلام، وتحديات تتصل بثقة الجمهور وانتشار المعلومات المضللة، فضلًا عن التأثير المتنامي للذكاء الاصطناعي في إنتاج الأخبار والمحتوى. وأمام هذا المشهد، تفتح القمة مساحة عربية لمناقشة مستقبل المهنة وتطوير أدوات تحمي المصداقية وتواكب التحول الرقمي.
ينظم نادي دبي للصحافة القمة بين 15 و17 سبتمبر في مركز دبي التجاري العالمي، تحت رعاية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وبتوجيهات سمو الشيخ أحمد بن محمد بن راشد آل مكتوم، النائب الثاني لحاكم دبي رئيس مجلس دبي للإعلام.
وتُعد دورة 2026 الأكبر في تاريخ الحدث، إذ يُتوقع أن تستقبل نحو عشرة آلاف مشارك، بينهم أكثر من مئتي شخصية إعلامية من خارج الإمارات، إلى جانب وزراء إعلام وثقافة من دول عربية، ومسؤولين ورؤساء تحرير وكتّاب ومفكرين وأكاديميين وصنّاع محتوى وخبراء في التكنولوجيا والاتصال.
منصة عربية جامعة
تضم القمة منتدى الإعلام العربي، ومنتدى الاتصال الحكومي، والمنتدى الإعلامي العربي للشباب، وقمة رواد التواصل الاجتماعي العرب، إلى جانب منتديات متخصصة في الأفلام والألعاب الإلكترونية والبودكاست، وفعاليات دولية وثقافية وتدريبية.
ويمنح هذا التنوع القمة طابعًا عربيًا جامعًا، ويجعل دبي نقطة التقاء لتجارب ومدارس إعلامية متعددة تبحث في قضايا تتجاوز الحدود الوطنية، من مستقبل الصحافة والاتصال الحكومي إلى اقتصاد المحتوى، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وسبل استعادة ثقة الجمهور.
وفي قلب دورة هذا العام، تحتفي القمة باليوبيل الفضي لجائزة الإعلام العربي، مستعيدة مسيرة خمسة وعشرين عامًا من تكريم التميز المهني. ولا تقتصر دلالة المناسبة على مرور الزمن، بل تظهر في قدرة مبادرة عربية على الاستمرار والتطور داخل قطاع انتقل من الصحافة المطبوعة إلى الإعلام المرئي والمنصات الرقمية والمحتوى متعدد الوسائط.
بدأت الجائزة في نوفمبر 1999 تحت اسم «جائزة الصحافة العربية»، بمبادرة من الشيخ محمد بن راشد، بهدف المساهمة في تطوير الصحافة العربية وتشجيع الصحافيين على الإبداع وتكريم الأعمال المتميزة. وعهد إلى نادي دبي للصحافة تأسيسها ووضع نظامها الأساسي، فيما أُسندت إدارتها إلى مجلس مستقل يضم شخصيات إعلامية وفكرية وأكاديمية عربية، بما يعزز موضوعية التقييم وشمولية المشاركة.
ولم تقم الجائزة على التكريم الفردي وحده، بل على إيجاد معيار مهني يحفز المنافسة ويرفع مستوى المحتوى. وتتولى أمانتها العامة إدارة عمليات الترشيح والفرز والتحكيم، وفق ضوابط محددة لكل فئة، فيما يتيح طابعها العربي مشاركة الصحافيين والمؤسسات من مختلف دول المنطقة.
مواكبة تحولات المهنة
دخلت الجائزة عام 2021 مرحلة جديدة بتحولها إلى «جائزة الإعلام العربي»، لتشمل الصحافة والإعلام المرئي والإعلام الرقمي. وفي نوفمبر 2024، طُورت فئاتها ومعاييرها، فاعتمدت فئة «التحقيقات الصحافية»، ونُقلت فئات الإعلام الرقمي إلى جائزة رواد التواصل الاجتماعي العرب.
ويعكس هذا التطور محاولة لمواكبة تحولات الصناعة من دون التخلي عن جوهرها المهني. فالتحدي الذي تواجهه المؤسسات اليوم لم يعد سرعة الوصول إلى الجمهور فقط، بل حماية الدقة والمصداقية وسط سباق المنصات والخوارزميات، وفي ظل ما يوفره الذكاء الاصطناعي من فرص للإنتاج، وما يطرحه في المقابل من مخاطر مرتبطة بالتضليل والمحتوى المصطنع.
وتوثق الأرقام اتساع حضور الجائزة، إذ استقطبت عبر 25 دورة مكتملة 82,460 مشاركة من مختلف أنحاء العالم العربي، وكرّمت 359 فائزًا ومكرّمًا، فيما تجاوزت القيمة الإجمالية لجوائزها 22.1 مليون درهم إماراتي. كما شملت خلال مراحل تطورها 33 فئة، وتعاقبت على إدارتها ثمانية مجالس شارك فيها 116 من القيادات الإعلامية والفكرية والأكاديمية ورؤساء التحرير العرب.
وفي دورتها الخامسة والعشرين، خضعت الأعمال المرشحة لمراحل دقيقة من الفرز والتحكيم وفق المعايير المعتمدة، قبل إقرار الأعمال الفائزة من مجلس إدارة الجائزة، على أن يُكرَّم أصحابها خلال قمة الإعلام العربي.
لكن أثر الجائزة لا يُختصر بالأرقام أو القيمة المالية، بل يظهر في ترسيخ التنافس وتشجيع المؤسسات والصحافيين على الاستثمار في التحقيقات والقصص المؤثرة والمحتوى النوعي. كما تحول الفوز بها إلى اعتراف عربي بقيمة العمل، وإلى مسؤولية تحفز الفائز على المحافظة على المستوى الذي أوصله إلى منصة التكريم.
رؤية تستثمر في الإنسان
تقف خلف هذه المسيرة رؤية الشيخ محمد بن راشد للإعلام بوصفه شريكًا في التنمية وبناء المجتمعات. وقد عبّر عنها بقوله إن «المنطقة العربية تحتاج إلى إعلام قوي أكثر من أي وقت مضى»، داعيًا إلى إعداد كوادر تقود الإعلام العربي نحو مستقبل أفضل، وتطوير الجائزة بما يواكب المتغيرات الإقليمية والعالمية.
ولم تبقَ هذه الرؤية محصورة في المؤتمرات والجوائز. ففي يناير 2026، شهد الشيخ محمد بن راشد تخريج 522 صانع محتوى ومتخصصًا في الإعلام الجديد، ضمن سبعة برامج تخصصية نظمتها أكاديمية الإعلام الجديد بالتعاون مع شركائها.
ويكشف الجمع بين التدريب والحوار والتكريم عن مسار يبدأ بإعداد الكفاءات، ويمر بتبادل الخبرات، ويصل إلى تقدير الأعمال التي تحقق أثرًا مهنيًا ومجتمعيًا. ومن خلال حجم المشاركة واستمرارية المؤسسة وتطوير معايير التقييم، رسخت القمة والجائزة موقعهما في المشهد الإعلامي العربي.
بعد ربع قرن، لم تعد جائزة الإعلام العربي مناسبة احتفالية فحسب، كما لم تعد القمة لقاءً بروتوكوليًا، بل أصبحتا جزءًا من منظومة جعلت دبي نقطة التقاء بين الصحافة التقليدية والإعلام الرقمي والاتصال الحكومي والصناعات الإبداعية .
وفي زمن يختلط فيه الخبر بالرأي والحقيقة بالمحتوى المصطنع، تبرز الرسالة الأهم للقمة: قوة الإعلام لا تُقاس بارتفاع صوته، بل بصدقيته وصلابة معاييره وقدرته على خدمة المجتمع. وبعد خمسة وعشرين عامًا، تواصل الجائزة الاحتفاء بالكفاءة، فيما تكرّس دبي موقعها مساحة عربية لتبادل الخبرات والمساهمة في صناعة مستقبل الإعلام .
