شمال شرق سوريا: الملاجئ تمتلئ بالنازحين مع تجدد القتال والنزوح الجماعي

تحمل سوريا ندوبًا عميقة بعد أربعة عشر عامًا من النزاع، ولا يزال النزوح بالنسبة لكثيرين في شمال شرق البلاد واقعًا يطبع تفاصيل الحياة اليومية. فبعد عام على سقوط الحكومة السابقة، تسبّبت جولة جديدة من القتال في منتصف يناير/كانون الثاني 2026 في نزوح عشرات آلاف الأشخاص، ما فاقم الضغط على مراكز الإيواء والخدمات الصحية المُنهَكة أصلًا.
وفي 17 يناير/كانون الثاني، أعلنت قوات سوريا الديمقراطية انسحابها من دير حافر ومسكنة في ريف حلب الشرقي. وبعد وقت قصير، أعلن الجيش العربي السوري سيطرته على البلدتين وتقدّم إلى أجزاء من الرقة ودير الزور والحسكة. وقد تسببت الاشتباكات في المناطق التي كانت خاضعة سابقًا لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية في موجات نزوح واسعة بين المدنيين.
المستشفيات تحت الضغط
سرعان ما فاقت وتيرة القتال قدرة المستشفيات على الاستيعاب. ففي ذروة العنف يومي 18 و19 يناير/كانون الثاني، استقبل المستشفى الوطني في دير الزور الذي تدعمه أطباء بلا حدود أكثر من 100 جريح خلال يومين فقط.
وفي هذا السياق، دعمت فرق أطباء بلا حدود تقديم الرعاية للإصابات الطارئة، كما تبرّعت للمستشفيين الوطنيين في دير الزور والرقة بمجموعات من مستلزمات الجراحة والتخدير، إلى جانب أدوية أساسية، وذلك بالتعاون الوثيق مع السلطات الصحية المحلية استجابةً للاحتياجات العاجلة.
مراكز الإيواء مُثقَلة بما يفوق طاقتها
مع اتساع رقعة العنف، لجأت عائلات نازحة كثيرة إلى القامشلي بمحافظة الحسكة بحثًا عن الأمان. وقد تعرّضوا خلال الطريق لظروف جوّية قاسية في ظل برد شديد، ووصلوا إلى القامشلي وهم لا يحملون سوى قلة من مقتنياتهم الشخصية.
وقدّرت المنظمة الدولية للهجرة أنه حتى 4 فبراير/شباط، بلغ عدد النازحين في محافظة الحسكة 94,051 شخصًا. وقد شكّل هذا التدفق المفاجئ ضغطًا هائلًا على الخدمات الأساسية.
أُنشئ الكثير من هذه الملاجئ في مبانٍ مدرسية سابقة، غالبًا ما تكون في حالة متردية. وعندما وصلت فرق أطباء بلا حدود إلى القامشلي، زارت مدرستين جرى تحويلهما إلى مراكز إيواء، حيث بدت المباني متأثرة بسنوات من الإهمال، مع جدران متقشّرة ومراحيض متضررة أو غير صالحة للاستخدام، وعزلٍ شبه معدوم عن البرد. وكانت ملابس النازحين معلّقة على النوافذ والجدران لتجف، فيما هبطت درجات الحرارة خلال الأيام الأولى للنزوح إلى ما دون الصفر، لتكافح العائلات للحفاظ على أي شكل من أشكال الدفء.
أشخاص أنهكهم النزوح المتكرر
نزح كثير من الأشخاص الذين يحتمون في القامشلي عدة مرات على مرّ السنوات. وفي هذا الصدد، تقول الشابة الكردية والمعلّمة السابقة هيفين ميستو، “أنا في الأصل من عفرين. كانت حياتنا طبيعية مثل أي عائلة، وكان لدينا ماشية وحالتنا المادية مستقرة. لكن كل شيء تغيّر بعد التوغّل التركي في عفرين عام 2018”.
تروي هيفين ميستو كيف اضطرت للفرار من منزلها والاختباء في كهف قبل أن تصل إلى الشهباء في الشمال من حلب. وتقول، “في الشهباء حاولنا أن نبدأ حياة جديدة، وبدأتُ عملي كمعلّمة للغة الكردية. بقينا هناك سبع سنوات. ولكن في أواخر عام 2024 تجدّد العنف مرة جديدة، فنزحنا إلى الرقة بعد الهجمات على تل رفعت والشهباء”.
قضت عائلة هيفين عامًا كاملًا في مدرسة في الرقة قبل أن تُجبر على الفرار مرة أخرى. وتضيف، ” نحن الآن في القامشلي. في كل مرة نحاول أن نعيد بناء حياتنا، يلحق بنا العنف”.
نقص التمويل يفاقم الأوضاع
كانت الجهود الإنسانية في شمال شرق سوريا تعاني أصلًا ضغطًا شديدًا نتيجة التخفيضات المتكرّرة في التمويل. والآن، أدت موجة النزوح الأخيرة إلى تفاقم الوضع، ما زاد العبء على نظام متردٍّ في الأساس ووقف بين الخدمات الأساسية وآلاف الأشخاص الذي باتوا يواجهون صعوبات أكبر في الوصول إلى الرعاية الصحية والمياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي، وغيرها من الخدمات.
وفي هذا الصدد، تصف ليلى طوبال، أمّ الطفل رشيد البالغ من العمر خمس سنوات، فرارها من الرقة مع عائلتها من دون أي مقتنيات تُذكر. هي في الأصل من عفرين، وهذه هي المرة الثالثة التي تُجبر فيها عائلتها على النزوح. وتقول، “عندما كنا في الرقة، سمعنا اشتباكات وإطلاق نار. فررنا ونحن لا نحمل سوى الملابس التي نرتديها. هنا في القامشلي، لا نملك شيئًا”.
وتضيف، “ابني رشيد يعاني من الصرع، ونعاني للحصول على الأدوية اللازمة له. أنا وزوجي مريضان بسبب البرد. وفي معظم الأيام لا تعمل المدفأة لأن الوقود غير متوفر. نحتاج إلى ملابس وبطانيات ووقود، كما أن العديد من العائلات هنا بحاجة ماسة إلى حليب الأطفال”.
الأكثر احتياجًا هم الأكثر عرضة للخطر
تزداد الظروف قساوةً للأشخاص الذين يعيشون مع أمراض مزمنة أو حالات عجز. في إحدى غرف المدرسة، التقينا رجلًا في منتصف العمر كان ممدّدًا تحت بطانية. فقد يونس محمد ساقيه الاثنتين بسبب مضاعفات السكري.
ويقول يونس، “فقدت ساقي الأولى في عام 2019 والثانية في عام 2022. كنت أعمل في البناء، لكن الآن لم أعد قادرًا على أداء أي عمل. نحن بحاجة إلى دعم عاجل. هناك 28 عائلة تعيش في هذه المدرسة، وجميعهم بحاجة إلى الرعاية والمساعدة”.
الاستجابة الطارئة مستمرة
لمساعدة النازحين، تُشغّل فرق أطباء بلا حدود الطبية عيادات متنقلة في القامشلي وديرك/المالكية، لتقديم الاستشارات والعلاج للحالات الحادة والمزمنة، وضمان وصول النازحين إلى الرعاية الصحية الأساسية. وقد تلقى أكثر من 1,320 مريضًا الرعاية حتى الآن.
كما وزّعت فرق أطباء بلا حدود نحو ألفي فرشة وأكثر من 3,220 بطانية و530 مجموعة من مستلزمات الأدوات الصحية، بالإضافة إلى وجبات ساخنة ومستلزمات المطبخ في أكثر من 30 مركز إيواء في ديرك/المالكية والحسكة والقامشلي، لتصل إلى أكثر من 330 عائلة.
هذا ويعمل فريق أطباء بلا حدود للمياه والصرف الصحي على نقل المياه النظيفة بالشاحنات وإصلاح البنية التحتية مثل المراحيض والأنابيب والصنابير وخزانات المياه في مراكز الإيواء، لضمان حصول النازحين على مياه شرب آمنة.
أزمة تتطلّب دعمًا مستمرًا
على الرغم من هذه الجهود، لا تزال مراكز الإيواء مكتظة والخدمات غير كافية. ولا تزال العديد من العائلات تفتقر إلى التدفئة والطعام والمياه النظيفة والرعاية الصحية. وللأشخاص الذين أنهكتهم سنوات النزاع، يظلّ شعور انعدام اليقين حاضرًا في حياتهم اليومية.
وتقول رئيسة برامج أطباء بلا حدود باربرا هيسيل، “الناس الذين أُجبروا على الفرار مرارًا وتكرارًا يريدون فقط العودة إلى منازلهم بأمان وكرامة. لا بدّ من بذل كل الجهود لضمان قدرتهم على تحقيق ذلك”.
وتضيف ليلى، “حلمي أن نحظى بحياة مستقرة، دون التنقّل من مكان إلى آخر. كل ما نريد هو أن نعيش بلا خوف”.
