العجز التجاري يعود إلى مستويات ما قبل الأزمة

عند حصول الانهيار الاقتصادي في أواخر العام 2019، شهدت البلاد في العام التالي هبوطًا سريعًا في مستوى عجز الميزان التجاري، أي الفارق ما بين حجم الصادرات والواردات (الاستيراد)، لمصلحة الواردات. وفي تلك الفترة، عبّر هذا الهبوط عن تراجعٍ مفاجئ في مستويات الاستهلاك المحلّي، بفعل تداعيات الأزمة، من دون أن يعكس ذلك أي انتعاشة إيجابيّة في أنشطة التصدير. لكن على مرّ سنوات الأزمة اللاحقة، عادت مستويات الاستيراد والعجز للارتفاع تدريجيًا، من دون أن تتخطى مستويات ما قبل الأزمة.
الجديد في الربع الأوّل من هذه السنة، هو أنّ مستويات الاستيراد سجّلت رقمًا قياسًيا لم يسبق تسجيله طوال السنوات الماضية، بل وعادت لترتفع إلى حدودٍ تتجاوز مستويات ما قبل العام 2020. كما شهدت الصادرات، في الوقت نفسه، هبوطًا مفاجئًا وقياسًيا. وبذلك، عاد عجز الميزان التجاري ليرتفع إلى مستويات تفوق تلك شهدها قبل الأزمة، وهو ما يفترض أن ينعكس هذا العام في ضغط الطلب على الدولار الأميركي في السوق الموازية.
أرقام الميزان التجاري بعد الأزمة
بعد حصول الأزمة الماليّة في أواخر العام 2019، تراجع حجم الاستيراد في لبنان إلى حدود 2.93 مليار دولار أميركي، خلال الربع الأوّل من العام 2020. وهذا ما شكّل تراجعًا كبيرًا بنسبة تناهز 41 بالمئة، مقارنة بالفترة المماثلة من العام السابق 2019.
وكان لهذا التراجع عدّة أسباب، ارتبطت جميعها بتداعيات الأزمة الاقتصاديّة. فتراجع سعر صرف الليرة اللبنانيّة أدّى إلى ارتفاع كبير في أسعار السلع المستوردة، ما أدّى إلى تراجع الطلب عليها. كما أدّت الأزمة المصرفيّة إلى تآكل مدّخرات المقيمين، فيما أدّت الأزمة النقديّة إلى تراجع القيمة الشرائيّة للأجور. في الحالتين، كانت النتيجة تراجع حجم الاستهلاك المحلّي، ما أدّى بدوره إلى خفض الاستيراد.
في المقابل، شهدت الصادرات اللبنانيّة زيادة محدودة نسبيًا، إلى 914 مليون دولار أميركي في الربع الأوّل من 2020، مقارنة بنحو 856 مليون دولار أميركي خلال الفترة المماثلة من العام السابق 2019، أي بارتفاع نسبته 7 بالمئة. وبهذا المعنى، وفي مقابل التراجع الكبير في حجم الاستيراد، لم تشهد الصادرات طفرة معتبرة بنسبة موازية. وبذلك، لم تستفد الصناعات المحليّة من زيادة كبيرة في القدرة التنافسيّة في الأسواق الخارجيّة، جرّاء انخفاض سعر صرف الليرة اللبنانيّة، الذي كان يفترض أن يُخفّض كلفة إنتاج السلع محليًا. وقد يعود ذلك للدولرة التي شهدتها السوق المحلّية، ما أدّى إلى تثبيت جزء كبير من تكاليف الإنتاج بالدولار.
على أي حال، كانت نتيجة هذه التطوّرات انخفاض العجز التجاري في الفترة الأولى بعد الأزمة، وإلى حدود 2.02 مليار دولار أميركي في الربع الأوّل من 2020، مقارنة بنحو 4.1 مليار دولار أميركي في الفترة المماثلة من العام 2019. أي بمعنى آخر، هبط العجز التجاري إلى أقل من نصف مستوياته بمجرّد حصول الأزمة، بفعل التراجع الكبير في أرقام الاستيراد، من دون أن يعكس ذلك طفرة كبيرة في الإنتاج المحلّي اللبناني.
عودة الاستهلاك والاستيراد
على مدى سنوات الأزمة اللاحقة، عادت معدّلات الاستيراد للارتفاع تدريجيًا. فمن 2.93 مليار دولار أميركي في الربع الأوّل من 2020، كما أشرنا سابقًا، ارتفع هذا الرقم إلى 3.33 مليار دولار أميركي في الربع الأوّل من 2021، ثم 4.13 مليار دولار أميركي في الربع الأوّل من 2022، و4.24 مليار دولار أميركي في الربع الأوّل من 2023، قبل أن يسجّل هذا الرقم هبوطًا محدودًا إلى 3.97 مليار دولار أميركي في الربع الأوّل من 2024، بفعل تداعيات الحرب التي كانت قائمة وقتها. وفي الربع الأوّل من 2025، سجّل هذا الرقم ارتفاعًا محدودًا إلى 4.38 مليار دولار أميركي.
وبالتوازي، وبفعل عدم وجود أي انتعاشة ملحوظة على مستوى الصادرات، عاد حجم العجز التجاري للارتفاع تدريجيًا بموازاة ارتفاع حجم الاستيراد. إذ ارتفع هذا العجز إلى 2.63 مليار دولار أميركي في الربع الأوّل من 2021، وظلّ يرتفع خلال السنوات التالية حتّى بلغ 3.5 مليار دولار أميركي خلال الربع الأوّل من 2023. وخلال الربع الأوّل من العام الماضي، بلغ حجم هذا العجز 3.44 مليار دولار أميركي.
ارتفاع حجم الاستيراد يعود إلى جملة من العوامل المحليّة. ومنها دولرة جزء من الأجور في السوق المحلّية، والتأقلم التدريجي (وغير المنظّم) الذي شهدته الأسواق لاحقًا، فضلًا عن استيعاب جزء من اللبنانيين للخسائر التي لحقت بمدّخراتهم في بدايات الأزمة. ومع ذلك، ولغاية الربع الأوّل من العام 2025، لم يتجاوز حجم الاستيراد أو العجز التجاري الرقم المسجّل في بدايات العام 2019، أي قبل بدء الأزمة الماليّة.
أرقام 2026: الحرب والتضخّم
خلال الربع الأوّل من العام الحالي، شهدت أرقام التجارة الخارجيّة تطوّرًا لافتًا. إذ ارتفع حجم الاستيراد خلال تلك الفترة إلى أكثر من 5.38 مليار دولار أميركي، وهو ما تجاوز أرقام الفترة المماثلة من العام 2019، التي بلغت 4.95 مليار دولار أميركي. كما تجاوز العجز التجاري حدود 4.75 مليار دولار أميركي في الربع الأوّل من هذا العام، مقارنة بـِ 4.1 مليار دولار أميركي خلال نفس الفترة من العام 2019.
بهذا الشكل، تجاوزت أرقام الاستيراد والعجز التجاري هذه السنة مثيلها في فترات ما قبل الأزمة الماليّة، وهو ما سيترك أثرًا لا يمكن التقليل من شأنه، لجهة الطلب على الدولار الأميركي في السوق. وكان لهذا التطوّر أسبابه المفهومة جدًا، من جهة معدلات التضخّم في الأسواق العالميّة، وارتفاع أسعار مشتقات النفط على وجه التحديد، بالإضافة إلى ارتفاع الاستهلاك التمويني المرتبط بالحرب خلال شهر آذار.
لكل هذه الأسباب، لم يعكس ارتفاع الاستيراد إلى مستويات ما قبل الأزمة تعافياً اقتصادياً جديًا، بدلالة تواضع أرقام الصادرات، وارتفاع معدلات العجز التجاري. بل عكس هذه التطوّر تفاقم الضغوط التضخميّة الخارجيّة، واشتداد الحاجة للعملة الصعبة لتمويل العجز التجاري. وبعد أن أدّت الأزمة الماليّة إلى خفض قسري في الاستيراد نتيجة انهيار القدرة الشرائيّة وتراجع الاستهلاك، عاد العجز التجاري ليتّسع تدريجياً مع تأقلم الأسواق والدولرة وارتفاع الاستهلاك، ثم تسارع بفعل كلفة الحرب والتضخّم وارتفاع أسعار السلع الأساسيّة، ولا سيّما المحروقات.
ولهذا، تكمن خطورة الأرقام الأخيرة في أنّها تعيد إنتاج أحد الاختلالات البنيويّة القديمة في الاقتصاد اللبناني: الاعتماد المفرط على الواردات مقابل قاعدة تصديريّة محدودة. ومن شأن هذا المسار، إذا استمر، أن يزيد الضغوط النقديّة في السوق، وأن يحدّ من قدرة الاقتصاد على تحقيق استقرار نقدي مستدام ما لم يُقابَل بسياسات جدّية لدعم الإنتاج المحلي، وترشيد الاستيراد، وتوسيع القدرة التنافسيّة للصادرات.
علي نور الدين – المدن
