لبنان

نبيه برّي… ملك التنازلات يتحدّث عن السيادة!

29 أيار, 2026

كتبت إليسا الهاشم:

في كلّ مرّة يخرج فيها رئيس مجلس النواب نبيه برّي ليتحدّث عن “الكرامة الوطنية” ورفض “المفاوضات المباشرة”، يبدو وكأنّ اللبنانيين مطالبون بنسيان التاريخ القريب، وكأنّ الرجل لم يكن شريكاً أساسياً في أكبر تنازل استراتيجي واقتصادي قدّمه لبنان لإسرائيل منذ قيامها.

يتباهى برّي اليوم بأنّه قاد مفاوضات الترسيم البحري عبر وسيط أميركي، ويقدّم ذلك على أنّه “إنجاز”.

 أيّ إنجاز هذا الذي انتهى بتراجع لبنان عن الخط 29، والتخلّي عملياً عن أوراق قوّة كان يمكن أن تحفظ حقوق الأجيال المقبلة؟

هذه هي الوقائع لا الشعارات، بموجب اتفاق ترسيم الحدود البحرية عام 2022

• أصبح حقل كاريش بالكامل ضمن المنطقة الاقتصادية الإسرائيلية.

• وقبل لبنان بالخط 23 أساساً للترسيم.

• مقابل وعود بالاستثمار في حقل قانا، مع ترتيبات مالية معقّدة لصالح الأطراف المشغّلة، وبقيت عائدات لبنان رهينة شروط تقنية وسياسية.

بمعنى أوضح: إسرائيل ثبّتت سيادتها الكاملة على كاريش، بينما حصل لبنان على فرصة استثمار غير مضمونة ومقيّدة بشروط خارجية، بعد أن كان يمتلك هامش تفاوض أوسع بكثير عبر الخط 29.

وللتوضيح بالأرقام، تُقدَّر قيمة حقل كاريش بنحو 10 إلى 20 مليار دولار كقيمة إجمالية.

هذا ليس “انتصاراً تفاوضياً”، بل إعادة رسم توازنات على حساب لبنان، بعد سنوات من رفع السقف ثم التراجع عند لحظة الحسم، في مسار انتهى عملياً إلى إهدار حقوق استراتيجية كان يمكن أن تغيّر مستقبل أجيال من اللبنانيين، وتحويلها إلى مكاسب مضمونة للطرف الآخر وخسائر مؤجّلة للبنان.

ثم يأتي برّي اليوم ليقول إنّه ضد المفاوضات المباشرة لأنّ لبنان “لا يملك أوراق قوّة”. والسؤال البديهي: من الذي أوصل لبنان إلى هذا العجز في الأوراق أصلاً؟ ومن الذي راكم التنازلات تحت عنوان الواقعية السياسية؟ 

أما في اتفاق وقف إطلاق النار عام 2024، فالمشهد لم يكن أقل خطورة.

بعد قرار إدخال لبنان في حرب “إسناد غزة”، وبعد انهيار اقتصادي وأمني وسيادي غير مسبوق، دخل برّي مع “حزب الله” والحكومة السابقة في تسوية انتهت إلى واقع أمني شديد الهشاشة، منح إسرائيل هامش حركة واسع تحت ذرائع أمنية، فيما تُرك لبنان في موقع الدفاع الدائم عن أرضه وحدوده ومؤسساته.

ثم جرى تحميل اللبنانيين والحكومات اللاحقة مسؤولية نتائج مسار لم يشاركوا في قراره ولا في هندسته.

واليوم، يتحدّث برّي عن وقف إطلاق النار وعودة النازحين.

لكن أيّ عودة هذه؟ وإلى أين؟ وبأيّ دولة وإمكانات؟

هل إيران، التي تغرق تحت أزماتها، قادرة على تمويل إعادة إعمار الجنوب؟ أم أنّ دول الخليج، التي اعتدى عليها محور الممانعة سياسياً وأمنياً وإعلامياً، مطالبة اليوم بتمويل ما دمّرته سياسات هذا المحور؟

إيران نفسها، بدل أن تكتفي بخطاب المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، تورّطت في ساحات إقليمية متعددة طالت أمن دول الخليج واستقرارها وبناها التحتية، ثم يُطلب من تلك الدول أن تتولى دفع كلفة إعادة الإعمار وكأن شيئاً لم يكن.

لماذا قد تساعد دول الخليج منظومة سياسية تعلن ولاءها العقائدي والسياسي لطهران صباح مساء، وتعتبر نفسها جزءاً من مشروع إقليمي يتناقض جذرياً مع منظومة الأمن العربية؟

ثمّ يأتي برّي ليحدّث اللبنانيين عن “ضمانات” ووسطاء، مستشهداً بباكستان. أيّ حياد هذا؟ وأيّ نموذج يمكن الركون إليه، فيما صنّفها مجتبى خامنئي في رسالته بمناسبة عيد الاضحى بانها دولة ممانعة في صلب المحور الذي تقوده ايران؟

من يكون نبيه برّي أساساً ليقف ضد قرار رئيس الجمهورية والحكومة في اعتماد التفاوض المباشر إذا كان الهدف هو حماية الدولة اللبنانية؟

من منحه حق احتكار القرار الوطني لعقود، فيما النتيجة كانت انهياراً اقتصادياً وعزلة سياسية وتآكلاً تدريجياً لمفهوم الدولة؟

اللبنانيون قالوا كلمتهم بوضوح. 

أحدث استطلاعات الرأي أظهرت أنّ أكثر من 80% من السنّة والدروز والمسيحيين يؤيّدون خيار السلام وبناء دولة مستقرة خارج منطق الحروب المفتوحة. وحدهم جزء من البيئة الشيعية، المُرتبط بالثنائي، بات يعيش حالة انفصال قسري عن المزاج الوطني العام، نتيجة سياسات خاطئة راكمت العزلة والخسائر وأدخلت هذه البيئة نفسها في قلب الكلفة البشرية والاقتصادية.

لبنان ليس ملكاً لحركة “أمل” ولا لـ”حزب الله”، وليس ساحة ملحقة بمحور إقليمي.

هناك أكثرية لبنانية واضحة تريد دولة طبيعية، لا ساحة صراع ولا منصة حروب.

وعلى قاعدة الشراكة الوطنية: إذا أردتم من الآخرين الاعتراف بكم، اعترفوا أولاً بحقّ الآخرين في اختيار شكل لبنان ومستقبله.

لقد وصل الجيش الإسرائيلي إلى النبطية، وتتعرض قرى مرجعيون لضربات وتدمير متكرر، فيما الجنوب كله يُستنزف ويُدفع تدريجياً خارج معادلة الدولة، نتيجة خيارات سياسية وأمنية مكلفة.

وفي النهاية، لم يعد السؤال ماذا يريد نبيه برّي و”حزب الله” من لبنان، بل ماذا تبقّى من لبنان وهو يفقد نتيجة التحاقكم بايران اكثر من ٢٥٪؜ من مساحته بعد هذا المسار الطويل من التنازلات والانخراط في حروب الآخرين.

وإذا كان خيار الدولة اللبنانية لا يناسبكم… وإذا كان لبنان المستقل يزعجكم… فاذهبوا إلى إيران، واتركوا هذا البلد لمن يريد أن يعيش فيه دولة لا ساحة.

شارك الخبر: