لبنان

مجلس النواب الممدّد لنفسه… أي دور؟

8 نيسان, 2026

كتبت لوسي بارسخيان في “نداء الوطن”:

بينما يشكّل مجلس النواب في لبنان سلطةً ثانية يفترض أن تؤدي دور صمّام الأمان في الحفاظ على السلم الأهلي في اللحظات الأكثر حساسية، يبدو أن هذا الدور اليوم في حالة تقلّص واضح، وعاجز عن احتواء تشنجات الشارع والساحات الافتراضية، وضبط إيقاعها داخل المؤسسات الدستورية.

فمنذ انخراط “حزب الله” في حرب إسناد غزة، وصولًا إلى تمدّد مواجهته مع إسرائيل إثر مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، علق ممثلو الشعب اللبناني خارج قبة البرلمان وداخلها بين الجمود والتمديد.

لم يشترك النواب في أي قرار يتعلق بالحرب وإيقافها. حتى عندما حمل رئيس المجلس على كتفه اتفاقية إنهاء العمليات العسكرية إثر موجة الحرب الأولى، تجنب نقل النقاش حول هذا الاتفاق إلى داخل المؤسسة التي يرأسها.

وهكذا بقي مجلس النواب غائبًا عن أي نقاش وطني. وربما يكون ذلك متعمدًا وفقًا لما يقوله الوزير السابق زياد بارود لـ “نداء الوطن”، خشية من أن يكشف البرلمان نفسه، حجم التباينات أو العجز عن إنتاج قرار في ما يتعلق بهذه الحرب.

وهكذا، بدلًا من أن يكون المجلس “الساحة الصحية لنقل الجدل من الشارع والإعلام”، تُرك الجدل ليتفاقم خارج المؤسسات، في بيئات أكثر هشاشة وقابلية للانفجار، وهذا ما حصل في معظم ولاية مجلس النواب الممددة.

التعطيل سمة ولاية المجلس

إذًا، مرّت ولاية مجلس النواب الأساسية خلال السنوات الأربع الماضية، بظل جمود متقطع، لم تخرقه إلا جلسات صُنفت بالمصيرية، أبرزها انعقاد الهيئة العامة لانتخاب رئيس الجمهورية، ومن ثم لمنح الثقة للحكومة. إلى جانب النقاشات التي خاضها لتأمين مصادر التمويل لعملية إعادة الإعمار اللازمة.

ولكن في معظم الأحيان بقي التعطيل سمة ولاية المجلس الحالي الأساسية. إلى أن اجتمع عقده بسلاسة لافتة في الأسبوع الأوّل من اندلاع موجة الحرب الثانية على الأراضي اللبنانية، وأقرّ تمديد الولاية بذريعة “الظروف القاهرة الاستثنائية”.

ولكن التمديد المطعون بشرعيته أمام المجلس الدستوري، بدا غير متلازم حتى الآن مع أداء فعلي يبرّر استمرارية هذا المجلس. لا بل ضيّق رئيس مجلس النواب منذ لحظة التمديد نفسها هامش النقاش حيال الطروحات التي قدّمها النواب لتوسيع البحث في تداعيات الحرب المتجدّدة.

بالمقابل، تجاهلت هيئة مكتب المجلس الدعوة لجلسات عامة استثنائية. وهو ما طرح السؤال عما إذا كان التوجه اليوم هو لتعطيل إضافي للمجلس بذريعة الحرب؟ أم أن الحرب باتت، بحد ذاتها، تبريرًا لتعطيل الدولة ومؤسساتها الدستورية؟

التمديد ليس سابقة ولكن…

طبعًا، ليس التمديد لولايات مجالس النواب، سابقة في تاريخ لبنان، وعليه لم يكن التمديد الأخير حاجة لكشف حجم الخلل بين النصوص الدستورية وتطبيقها. ولكن الحرب المتمددة على موجتين منذ العام 2023 عمّقت هذه الهوة، بما بات شاهدًا على بلد يُدار ببدائل غير دستورية.

قد يختزل قرار الحرب والسلم جوهر القضية. فحول هذا القرار تحديدًا تتكشف حدود الدولة، وتتراجع المؤسسات، وتبرز مراكز قرار موازية، تتقدّم على النصوص الدستورية.

ففي الدستور كما يشرح بارود لـ “نداء الوطن” تمنح المادة 65 مجلس الوزراء بأكثرية ثلثي أعضائه الحق في إعلان الحرب. ما يعني أن قرار الحرب هو للحكومة بأغلبية أعضائها.

ولكن هذه المادة تبدو منذ عقود وكأنها لم تكتب لتطبّق. بل رسّخت الأفضلية التي منحتها العهود المتعاقبة لـ “حزب الله”، أمرًا واقعًا. وقد أمعن ذلك في إظهار الدولة عاجزة أمام قرارات الدويلة “المصيرية”، حتى بعد انتهاء مرحلة التعايش مع ازدواجية السلاح ومعادلة “الأرض والشعب والمقاومة”، والانتقال إلى تصنيف سلاح “الحزب” كخروج عن الشرعية.

“الدولة العميقة” هنا

ولكن “دخول الحمام ليس كالخروج منه” كما يقال. إذ يرى النائب أنطوان حبشي في تصريح لـ “نداء الوطن” أن “الدولة العميقة التي نشأت بموازاة الواقع الشاذ الذي حكم البلد طيلة السنوات الماضية، وبما حملته من فساد وتشابكات ومخاوف، لا تزال تشكّل حليفًا موضوعيًا لانتهاك السيادة”. مستشهدًا في ذلك بما رافق تطبيق قرار الحكومة في رفع الغطاء عن أعمال “حزب الله” الحربية، من توقيف لعناصر تابعين له، مع مضبوطات من السلاح المتوسط، ومن ثم الإفراج عنهم مقابل مبلغ 900 ألف ليرة فقط وخلال ساعات قليلة، بينما يستغرق الإفراج عن مطلق نار في مأتم أو فرح مدة أطول من ذلك بكثير.

كل العلّة في خرق الدستور ومادته الـ 65

انطلاقًا من هنا تبدو اليوم مجمل الأزمة اللبنانية، وحتى البرلمانية، وكأنها تدور حول خرق المادة 65 من الدستور.

وفي الوقائع، يروي حبشي “أن عددًا من النواب طالبوا، منذ أكثر من سنتين، بطرح مسألة القرار الاستراتيجي وخيار الحرب والسلم على طاولة النقاش داخل مجلس النواب، إلا أن هذا الطرح لم يجد له آذانا صاغية”.

ومن هذه النقطة بالذات ، ينطلق حبشي في تقييم أداء رئيس مجلس النواب بإدارة جلسات الهيئات العامة عمومًا. فيصف هذ الأداء “خطفًا للسيادة ولإرادة الناس وامتدادًا لمصادرة السيادة، بفعل السلاح”. معتبرًا “أن رئيس المجلس ملزم بأن يدير الجلسات العامة من ضمن القواعد الدستورية، وليس كورقة يخطف من خلالها قرار الشعب اللبناني”.

وينتقل حبشي ليطرح مقاربة أشمل لمسألة التمديد الأخير لولاية مجلس النواب، وقال إنه لا يمكن اختزال هذا التمديد بكونه سقطة دستورية، بل بما يكشفه من خلل أعمق في بنية إدارة الدولة.

اجتماع مجلس النواب واجب أخلاقي أولًا؟

يبدو كلام حبشي في المقابل، كشاهد إضافي على تراجع الدستور ونصوصه إلى الصفوف الخلفية أمام مجمل أداء “الدولة العميقة”. وهو ما سهّل خرق هذا الدستور، حتى داخل المؤسسة التي يجب أن تصونه، أي مجلس النواب.

فماذا يقول الدستور بشأن انعقاد مجلس النواب خلال الحروب؟

يشرح بارود أن الدستور وإن كان لا يتضمن نصوصًا تلزم بانعقاد مجلس النواب خلال الحرب ولكنه لا يعيقه. بل هو يتيح هذا الانعقاد في حالة إعلان الطوارئ ويوفر له أكثر من مسار، سواء خلال دورات الانعقاد العادية أم تلك الاستثنائية التي تفتح بمرسوم يصدر عن رئيس الجمهورية بالاتفاق مع رئيس الحكومة.

وعليه، يرى بارود أن ما من ذريعة لعدم انعقاد المجلس، ولا سيما أمام حجم الكارثة التي يمر بها لبنان. فعندما يكون “خمس الشعب اللبناني نازحًا، وكل الأراضي اللبنانية تتعرض لهجمات مباشرة أو غير مباشرة، والقرى الحدودية مدمّرة بالكامل، تصبح الحاجة إلى انعقاد المجلس بديهية، ليس فقط لمواكبة إجراءات الحكومة، بل لاحتضان النقاش الوطني”.

كذلك يعتبر حبشي “أنه بظل الظرف الاستثنائي الذي نمر به، فإن الحد الأدنى المطلوب من مجلس النواب هو أن يجتمع، وأن ينقل النقاش الدائر في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي إلى داخل المؤسسة الدستورية”. وهذا فقط برأيه، يمكن أن يفيد لبنان ويحقق الوحدة الوطنية، لا أن يتولى رئيس المجلس، بصفته “الأخ الأكبر”، التفاوض باسم طرف سياسي على وقف العمليات الحربية، ويتوصل إلى اتفاق أقل ما يقال فيه إنه وثيقة “استسلام”، وكل ذلك من دون إطلاع اللبنانيين على مضمون هذه التفاهمات”.

وينتقد حبشي بالمقابل ازدواجية المعايير في قبول هذا التفرد، والتذرع بمعايير الميثاقية في كل مرة يطرح فيها سلاح “حزب الله”، ووقف تداعياته على لبنان من خلال المؤسسات الدستورية التنفيذية أي رئاستي الجمهورية والحكومة ومجلس الوزراء.

هل يصلح المجلس الممدّد له لمواكبة التغيرات المرتقبة؟

انطلاقًا من هنا، يتفق حبشي وبارود على أن الحرب في لبنان تتطلب بالحد الأدنى مواكبتها بنقاش هادئ ومساءلة وتأمين غطاء سياسي جامع. حتى إن الحاجة قد تفرض وفقًا لبارود، تجاوز الشكل الرسمي نحو لقاءات تشاورية يومية بين النواب، بما يتيح امتصاص التوترات المتراكمة في الشارع.

أما السير بعكس هذا الاتجاه، فيجعل مجلس النواب وفقًا لحبشي مرشحًا لأن يفقد دوره كمكان طبيعي للنقاش، في ظل ترسّخ ما يُعرف بـ “الدولة العميقة”. بل يذهب إلى حد التحذير من أن يتحول المجلس إلى مؤسسة شكلية، أو”لزوم ما لا يلزم”.

فالمزاج الشعبي برأيه في تغيّر، بينما التمديد يحافظ على ثبات التوازنات داخل المجلس. وهذا ما يجعل من الخيارات الاستراتيجية التي يبدو لبنان مقبلًا عليها، عاملًا مفجرًا لا يمكن احتواؤه إلا من خلال النصوص الدستورية.

وأول هذه النصوص هو طبعًا المادة 65 من الدستور التي تحصر قرار الحرب بالسلطة التنفيذية. ومن ثم المادة 52 التي يشرح بارود أنها تعطي صلاحية التفاوض لرئيس الجمهورية بالاتفاق مع رئيس الحكومة. ما يجعل مبدأ التفاوض وآليته بيد السلطة التنفيذية مع عرضه على مجلس الوزراء. فيما يتلخص دور مجلس النواب لاحقًا بمناقشة النتائج وتصديقها.

وانطلاقًا من هذه التعريفات، يمكن القول إن لبنان لا تنقصه النصوص. فالدستور موجود، والمؤسسات قائمة، لكن المشكلة تبقى في الإدارة المتواصلة للبلد من خارجها. وهذا ما يجعل اجتماع مجلس النواب في الحرب أو عدمه مجرد تفصيل، بظل أمر واقع لا يزال يفرض هيمنة الدويلة على الشرعية، ومحاولتها المستمرة للحفاظ على مكتسباتها.

شارك الخبر: